سعيد حوي

3691

الأساس في التفسير

الذي اضطجع معها وحده . وأما الفتاة فلا تفعل بها شيئا ) « 1 » . ولكن علماء اليهود وفقهاءهم وعامتهم كأنهم أسدلوا على هذا القانون ستر الإهمال وألغوه فعلا منذ عصور قبل عصر عيسى ابن مريم عليهما السلام ، حتى إننا لا نكاد نجد في تاريخ اليهود كله تنفيذا له مع أنهم كانوا يعتقدونه حكما إلهيا وكان مكتوبا عندهم في التوراة . ولما أن قام عيسى ابن مريم عليهما السلام بدعوته إلى الحق ، وجد علماء اليهود أنهم لا قبل لهم بالقيام في وجه سبيل هذه الدعوة ، أطالوا الفكر ومكروا مكرا وأخذوا زانية وساقوها إلى عيسى ابن مريم عليهما السلام وقالوا له : اقض لنا في أمرها ، وإنما يقصدون من ذلك أن يحرجوا عليه الموقف ويلقوه إما في البئر أو في الحفرة ، فهو إن قضى في أمرها بالرجم ، صدموه بالقانون الرومي في جانب وقالوا للناس في الجانب الآخر هلموا أيها القوم وآمنوا بهذا النبي العجيب الجديد وقدموا له ظهوركم ونفوسكم لينفذ فيها شريعة التوراة بكل قوته ؛ وأما إن قضى في أمرها بعقوبة غير الرجم ، شوهوا سمعته في الناس قائلين : كيف لكم أن تؤمنوا بهذا المدعي للنبوة ، وهو يغير شريعة التوراة ويلغيها مراعاة للمصالح الدنيوية . ولكن عيسى عليه السلام جعل مكرهم السيئ لا يحيق إلا بهم إذ قال لهم : من كان عفيفا منكم ، فليتقدم ويرمها بالحجارة . فبمجرد هذه الفقرة انقشع من حوله جموع الفقهاء وانكشف الغطاء عن وجوه الحملة للشريعة الغراء . ولما وجد المرأة قائمة عليه وحدها ، بذل لها النصيحة واستتابها وقال لها ارحلي . ذلك بأن عيسى عليه السلام ما كان قاضيا يقضي في أمرها بصفة رسمية ، ولا كانت هناك حكومة إسلامية تنفذ القانون الإلهي . وقد استنبط المسيحيون بعض استنباطات خاطئة من هذا الحادث ومن بعض أقوال عيسى عليه السلام المتفرقة الأخرى قالها عند مختلف المواقع وجعلوا لهم تصورا جديدا لجريمة الزنا . فإذا زنى - عندهم - رجل بكر بامرأة بكر ، فإن فعلهما على كونه ذنبا ، ليس بجريمة مستلزمة للعقوبة على كل حال ، وأما إذا كان أحد المرتكبين لهذا الفعل - الرجل أو المرأة - أو كلاهما متزوجا فإنه الجريمة ؛ غير أن الذي يجعله الجريمة ، إنما هو « نقض العهد » . فكل من أتى بفعل الزنا بعد كونه متزوجا ، فإنه مجرم لأنه نقض العهد الذي كان عقده مع زوجته - أو زوجها إن كانت المرتكبة امرأة - أمام المذبح بواسطة القسيس .

--> ( 1 ) كتاب التثنية ، الإصحاح الثاني والعشرون ، ( 22 - 26 ) .